الجمعة، 10 يوليو 2020

خارج السرب ق.ق.ج


خارج السرب

حين دلف إلى الداخل انقلبت سحنة و جوههم جميعاً و خرج الفرح الذي كان يعم المكان خلسة من فتحة الباب الذي جاء هو من خلاله و حلّ صمتٌ و وجومٌ كئيبٌ محلّه، للحظات قصيرة صمت جمهور الحضور و هم يتبادلون فيما بينهم نظرات قلقة تفضح ارتباكهم , بدا و كأن جميعهم غابوا في سبات مع خفايا وخطايا ماضية متشابهة، لدرجة إصابتهم بالشلل التام للحظات ، لكن سرعان ما طغت الجلبة من الجميع، حين خرج الداخل الجديد، فلا هو ارتاح لتواجدهم و لا هم رغبوا في بقاءه في الجماعة و قبل أن يسير خطوته الأخيرة إلى الخارج،  سمع أحدهم ينادي،،، الله مع الجماعة و ردد جمهور الحضور معاً خلفه الله مع الجماعة.

الاثنين، 1 يونيو 2020

عودة كوفيد

عودة كوفيد

قصة: فرمز حسين

.
 إنه الربيع في نهاياته و الشمس لاتزال مشرقة  ترسل أشعة ذهبية و كأننا في فترة الظهيرة على الرغم من أن الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءً، الفارق الوحيد هو أنها ليست بتلك الأشعة الدافئة.
على طول المسافة تنتشر زهور الهندباء البرية الصفراء المستديرة، تزين مساحات واسعة من الأرض الصلبة المتاخمة لهامش الطريق و كذلك  أجزاءاً متفرقة في عمق السهل الأخضر الممتد شمالاً، مسيطرة بذلك على أنواع كثيرة من الأعشاب الأخرى الضارة و النافعة معاً. هذه الزهرة البرية ذكّرته بالعناد و التشبت بالحياة فهي على الرغم من محاولات الابادة المستمرة التي تتعرض لها  تبقى مصرّة على النهوض من بين الحصى و حتى من بين ثنايا الصخور  على عكس أقرانها من الورود التي تحظى بالكثير من العناية و الرعاية.
جميل أن تعود المياه إلى مجاريها  بعد أسابيع من المكوث المصحوب بالرهبة في البيت. و الأجمل من ذلك كله هو التعافي من المرض. من اليوم فصاعداً سوف أستمتع أكثر فأكثر بكل لحظة من وقتي، قال مناجياً نفسه، ثم انتابه بعض الشرود لكنه سرعان مالملم شتات أفكاره من جديد. نعم هناك ماهو ايجابي أيضاً عندما نصاب بمرض ما ثم نتعافى منه،  همس مناجياً نفسه مرة أخرى ، لكن الأهم  هو  أن المرض يقودنا بصيغة لاإرادية إلى منح  الصحة حق قدرها، فأحدنا لا يقدّرُ هذه النعمة غالباً إلا  بعد أن يفتقدها و ذلك حين يلمُّ به المرض. هذا الشعور  جعله يحس بدماء نشيطة تسير في عروقه و بدأ يتنفس بارتياح لكن ارتياحه كان مشوباً ببعض الحذر!
 غريب أن أحس بأنني لست بمفردي و أن هناك من يرافقني و أستطيع التعرف عليه و  أشتم رائحته الخبيثة، بئس الملتقى همس في قرارة نفسه قبل أن يبادره بالحديث:
لا أخفي عليك يا كوفيد بأنني بحثت عنك في كل أرجاء البيت بعد زيارتك الماضية  لكي أتابع معك حواري  و لكني تأكدت من رحيلك بعد أن عثرت على رسالتك الشامتة بالانسانية و شعرت شيئاً فشيئاً  بالارتياح و بأن ثقلاً عظيماً قد زاح عن كاهلي، فما الذي أعادك إلينا و أنا توقعت بأنك قد رحلت بلا عودة؟
كوفيد:  هكذا و من آخرها أنا  لم أعد للحوار معك هذه المرة بل لقد عدت لكي أساعدك على لفظ أنفاسك الأخيرة.
هكذا ... تقول بكل تعالٍ و ثقةٍ بالنفس ...تذكرت تهجمك على بني جلدتي من البشر فأنت لاترانا إلا وحوشاً  نقضي على كل حي و لانكتفي بذلك بل  نسفك حتى  دماء بعضنا البعض. هل يعني هذا بأنك تحس بأنك حقاً  أفضل منّا؟
كوفيد : نعم فأنا على الأقل لا أهاجمكم ان بقيتم داخل بيوتكم  أو كما  تسمونها أنتم  بالحجر الصحي  فأنتم آمنين  من مخالبي و لا أدمر البيوت على رؤوسكم، أنا أجبركم على البقاء في بيوتكم و أوطانكم، بينما أنتم تقتلون بعضكم البعض و تجبرون بعضكم على التشرد و الهجرة من الأرض و الأوطانّ! أليس ذلك دليلاً على أن رحمتي واسعة و  أكثر  من رحمتكم على بعضكم؟!
هل تعلم بأنني كنت على وشك تصديق ذلك و حتى أنني كنت قد بدأت التعاطف معك فللأسف بعض ما تقوله صحيح.
كوفيد: على أية حال أنا فعلاً لم أرجع للحوار معك، فقل مالديك قبل أن أ هبط على صدرك و قبل أن أمد مخالبي  الأخطبوطية القوية لخنقك.
في المرة الماضية قُلتُ لك بأن هناك ثمة أمور شتى عالقة لم أنتهي منها بعد و أنني بحاجة إلى المزيد من  الوقت لوضع الأمور في نصابها، ثم أنا لست مثلك فأنا لديّ أعزاء و محبين كثر و لا أريد مفارقتهم الآن على أقل تقدير. ألا تفهم ذلك ؟!  لكن كيف لك أن تفهم ذلك تابع قائلاً فأنت لست سوى جرثوم تافه دون مشاعر أو أحاسيس و  مع ذلك تعتقد بأنك أفضل منا نحن البشر!
كوفيد: سبحان الله جميعكم على الشاكلة نفسها، جميعكم دون استثناء و هذا الأمر لا غرابة فيه فأنتم مجبولون من طينة واحدة و ترددون الحجة ذاتها، ليس الآن رجاءً...  ثمة أمور عالقة لم ننتهي بعد من تنفيذها.......،
 بلا... بلا... بلا......،
رجاء أعطني مهلة إضافية....بلا...بلا...بلا...
 بعض الوقت....
لدي أعزاء و الفراق صعب...
رجاءّ .... بلا...بلا...
رجاءً...
هذا مايردده كل من أهمُّ بالانقضاض عليه تابع كوفيد ، كلكم تريدون تأجيل القبض على أرواحكم على الرغم من كل السنين التي عشتموها! تباً لكم! و تقولون  لا  نريد فراق أحبتنا مع أنكم تنصرفون إلى شؤونكم و تراب قبور من تدفنونهم لم يجف بعد ، و ربما تتعاركون على تركتهم و تهرعون إلى   ارتداء جلباب و  ملاءة محاسنهم ان كانت لهم بعضاً منها، و تتبرأون من خطاياهم  و تتنصلون من عهودهم و التزاماتهم الغير منفذة. كلكم من النوع الذي يؤجل عمل اليوم إلى الغد و أنت لست حالة خاصة كلكم على الشاكلة نفسها!!
تتحدث ياكوفيد و كأنك أنت حالة خاصة و ربما تكون كذلك و لكن خصوصيتك ليست بتلك الايجابية التي تريد الايحاء بها فأنت لست بأفضل منّا نحن معشر البشر بل أنك أسوأ بكثير فأنت و أقربائك من الجراثيم تطلقون العنان لأنفسكم و تقطعون الحدود من بلد إلى آخر و لا يرافقكم إلا الخراب و الموت و بكل صفاقة تتحدث عنّا نحن البشر و عن القيم و عن الخير و الشر!
كوفيد: هذا الكلام لا يفيدك و لن يثنيني عن متابعة ماجئت من أجله فقل ماعندك قبل أن تسلم الروح، فأنتم لا تنطقون بالصدق إلا و أنتم على وشك الموت.
هل تعلم يا كوفيد بأنني لا أخافك و بأنك أجبن من أن تقتلني و أنت مثلك مثل كل الطواغيت من حكامنا فأنت لا تستطيع إلا قتل الأبرياء و الضعفاء، أنت فقط تقتل العجزة و المرضى و ترتعد فرائصك من الأصحاء و الأقوياء و تخرّ  لهم جاثياً على ركبك الكثيرة و حوافرك ترتعش و أنت تقبل نعالهم! أنا متأكد بأنك تفتقر لشجاعة الاعتراف بذلك و لو مرة واحدة في حياتك!

فرمز حسين

ستوكهولم
2020-06-01








الأربعاء، 20 مايو 2020

كاك كوفيد


كاك كوفيد

قصة: فرمز حسين

فجأة أحس بأن ذلك الزحام الشديد الذي كان قد تلاشى تدريجياً عن شوارع المدينة و أسواقها قد استوطن رأسه، كان دوماً يرى نفسه فوق الأحداث، يتأملها بترفع من الأعلى،  فما يحدث للناس من مصائب وأهوال، و ما يصيبهم من أحزان و شجون و ما يخبئ لهم القدر وما ترسله لهم الطبيعة من أوبئة و جوائح  هو نفسه لم يكن يشعر في يوم من الأيام بأنه معنيٌ بكل ذلك، فهو راصد لكل مايحدث  و كل ماقد يحدث. عادة كان يردد في قرارة نفسه أنا جالس هنا في صالة العرض  متفرج فحسب، متناسياً أن في مسرح الحياة خشبة عرض الكل لاعب فيه، و لكل  دوره شاء أم أبى. الفرق بينها و بين خشبات المسارح الكلاسيكية المتعارف عليها هو  أمر واحد، لكنه أمر هام و خطير ألا وهو  تداخل خشبة العرض هذه مع  صالة المشاهدين، و لذلك يتوهم جميع اللاعبين بأنهم من الجمهور المتفرج في الصالة الغائبة.
لكن ذلك الشعور المفاجئ بالسخونة والمرض الذي باغته دون مقدمات أيقظه من نشوته و جعله يتمنى الخروج من ملابسه، و  تلك الوخزة المؤلمة في حلقه جعلته يبتلع ماتبقى من أقصوصة تفوقه ويكبح خياله من المغالاة في تميزه. هكذا انقلب تفاؤله المضيء إلى تشاؤم مظلم غير مسبوق بدأ ينخر في داخله و يجعله على حافة السقوط في هاوية اليأس . تسمّرَ في مكانه لحظةً دون حراكْ كمن يريد أن يتذكر شيئاً ما قد نسيه،لكنه سرعان ما بدأ يلتفت حول نفسه من جديد و في جميع الاتجاهات  كأنه يريد الاختباء من عفريت يطادره ، بقي مستمراً في التفاتاته السريعة  و شعور بالذعر بدأ ينمو سريعاً في داخله.لعن الساعة التي قرر فيها أن يستمر  في العمل و يلتقي مع الآخرين ولعن السلطات التي أوصت بالتباعد الإجتماعي فقط و لم تتخذ اجراءات أكثر حزماً يقي الناس شر هذا الهجوم . ثم لعن من تسبب في نشأة هذا الوباء و من ساعد على انتشاره و جموحه و لعن البشر و علاقاتهم السيئة بالحيوانات و البيئة  ولعن الصين و عاداتهم الغذائية  و لعن الولايات المتحدة الأمريكية  و روسيا و لعن العالم و القيادات السياسية التي لاتفكر إلا في توسيع سلطاتها و نفوذها  غير آبهة بحياة الناس بل إنها تستغل حتى الضحايا من الأموات كاأرقام مجردة لصالح حملاتها الانتخابية. لعن  الاعلام الرسمي و غير الرسمي الذي لا يكف عن نشر أخبار الموت في كل مكان بمبالغات و مغالطات كبيرة . قرر أن يعزل نفسه عن العالم الخارجي ليس فقط عضوياً بل حتى افتراضياً فأغلق التلفاز و المذياع القديم و الهاتف المنزلي و الجوال، المحمول و الثابت. لملم شتات أفكاره مصعوقاً من إحساس شبه أكيد بأنه أصبح برفقة زائر غير  مرئي و غير مرغوب فيه و سار بتثاقل دون أن يلقي انتباهاً لكل ما حوله. ثمة شيئ وحيد يدور في رأسه بعد اكتشافه المخيف و هو أن عليه أن  يتفرغ  كلياً لضيفه الرهيب هذا الذي أتى من غير ميعاد. شيئاً فشيئاً بدأ يحسّ بأنه على صواب و أنه على  وشك أن يرى ملامح  زائره الغريب و المعروف معاً. بدأ يحسّ بضخامة يديه، إنه مارد عملاق  تباً لكل هؤلاء الباحثين و العلماء الذين يقولون بأن المدعو كوفيد التاسع عشر مجرد جرثوم ضئيل لدرجة أنه لا يُرى بالعين المجردة. ها أنذا أحس بأصابع ثقيلة تستند على مؤخرة عنقي، أنا متأكدٌ من أنه لا يبذل مجهوداً  يذكر لمضايقتي و كأنه يريدني أن أكون متأكداً من  أنه فعلاً قد بدأ بمرافقتي و أنه يبعد عني الاحساس بالوحدة و أنا في طريقي إلى حجري الصحي.
أنا و هو لاثالث لنا.
كاك كوفيد عزيزي لقد أنهكني التعب و أريد  أن أخلد إلى النوم قليلاً، لكن لايطيب لي خاطر و لن يغمض لي جفن و أنت تطوقني، هكذا رغم كل هذا الارهاق الذي أعانيه.
كوفيد : حسناً  سأعمل بأصلي و ليس بأصلكم و أتركك ترتاح بعض الشيئ.
سباس كاك كوفيد.
كاك كوفيد انظر إلى طاولة المطبخ انها مليئة بكل ما لذّ و طاب خذ راحتك و لكن رجاءً دعني أرتاح هذه الليلة أيضاً و أعدني بأن تبقى حيث أنت و بأنك لن تهبط و تقترب مني قيد أنملة أخرى حتى الصباح.
كوفيد: امممم..... فكرّ مليّاً ثم أردف قائلاً ..... طيب.....اعمل خير و ارم بالبحر.
  انه أرحم من الكثير من جلادي العصر، همس معترفاً في قرارة نفسه هاهو ذا يمنحني الفرصة في كل ليلة أحس فيها بالارهاق الشديد  لكي أتمكن من الالتفات إلى الماضي فأستعيد شريط أفكاري، و أتذكر أفعالاً خيّرة كثيرة قمت بها، فأحس بغمرة فرح خفيفة وخدر منعش هادئ يسري في عروقي، فأتنشق هواء صافياً بارتياح كبير. بعد ذلك أتذكر شريطاً طويلاً من الذكريات و أعمالأً خاطئة كثيرة أيضاً قمت بها فيسيطر علي شعور كبير بالوهن و التعب و أحس بثقل مضني  يضغط على كافة الأوردة والشرايين  و يكاد يغيبني عن الوعي و يجعلني أحس بأنني على وشك الهلاك لامحالة.
كاك كوفيد عزيزي هلا أمهلتني بعض الوقت  رجاءً هناك ثمة أمور عالقة لم أنجزها بعد، للأسف فأنا من النوع الذي يؤجل عمل اليوم إلى الغد، و هناك تراكمات شتى، و هذه المرة سوف أضع خريطة طريق مدعومة بخطة زمنية محدودة و أنا بنفسي سوف أرسل لك دعوة لكي تأتيني و لن أماطل هذه المرة مثل مافعلت سابقاً مع أبناء عمومتك.

يوماً بعد الآخر  بدأ يحس  بالإلفة مع عزلته عن العالم الخارجي و بخواء كل ما كان فيه سابقاً و على عكس ماكان يخشاه من ذي قبل فقد بدأ أيضاً يحس بالارتقاء الى الشعور بعظمة الموت.
 يا إلهي حين تعود بي الأفكار قليلاً إلى الوراء أشعر و كأن متلازمة ستوكهولم بدأت تركبني و تغير من نظرتي إلى هذا الضيف الثقيل قال مناجياً نفسه. حين يحضر الموت كل شيئ آخر يصبح تافهاً،  الاهتمامات، الناس، النجاحات و الفشل, المال و الميراث، عظيم الموت و عظماء هم من رحلوا  و صغارٌ  هم  الباقون و من سيتر كهم من خلفه هكذا كانت سوية الأفكار التي بدأت تسكن مخيلته.
في الصباح استقيظ باكراً جداً متشوقاً لصحبة كوفيد، بحث عنه في جميع أرجاء البيت دون أن يعثر له على أثر، هناك في عتبة الدار كان قد ترك له رسالة قبل أن يرحل:
 أنتم البشر متوحشون و لا تستحقون الرحمة و لا حتى الشفقة. أنتم  لا تكتفون بأن تأكلوا  كل ما يتحرك على الأرض و تعيثون فيه فساداً و تحرقون الأخضر و اليابس، بل انكم تنهشون حتى في أجساد بعضكم البعض ! تباً لكم من مخلوق عجيب!  كوفيد التاسع عشر.

فرمز حسين
كاتب و مترجم سوري
ستوكهولم
2020-05-15