السبت، 3 مايو 2014

بكركي

بكركي
قصة : فرمز حسين

على مفترق الطريق الواقع غرب المدينة وقف بكركي ملتحفا بمعطف بال, ثخين, مسندا نصف ظهره على الباب الحديدي المطليّ بالأحمر والأسود والنصف الآخر على الجدار الأيمن للحانة المغلقة الذي يشكل الركن الشرقي للبناء وهو يضرب كفا بكف ويفرك يديه بحركة هستيرية ,علّه يحس ببعض الدفء ينفذ الى جسده المتعب ,  قدماه بالكاد تصمدان تحت ثقل جذعه , يترنحان في حركات ارتعاشية متقطعة في تلك الأمسية الرطبة من أواخر شباط  فيما عينيه الغائرتين غارقتين بدموع ثقيلة تتجه حينا صوب المساحات المجاورة بنظرات هلعة والى الفضاء الرحب بتوجس حينا آخر وكأن مخلوقات خرافية بأذرع طويلة سوف تظهر من العدم وتقطعه إربا.

كل شيء بدا داكنا شاحبا , رجال بملامح متجهمة غير مألوفة .. أعينهم تقدح شررا .. أفواههم تقذع شنيع الكلام .. يرطنون بلهجات غريبة , نساء متشحات بالسواد , أطفال  بأسمال بالية تستر بالكاد أجسادهم الهزيلة .. يسيرون في شوراع وأزقة مهملة تفوح منها رائحة نفايات محترقة. على أسقف الأبنية تقف طيورا سوداء فاحمه شبيهة بالغربان ذو مناقير بيضاء ملوثة بصبغة حمراء قاتمة, تنعق في صوت واحد ثم تصمت معا!
 يا إلهي !
 لقد تغيرت الدنيا في هذه المدينة سواد في سواد !
 بتّ أرى نفسي غريبا فيها على الرغم من تسكعي المستديم في أزقتها وشوارعها منذ نعومة أظافري.
في قرارة نفسه كان يحاول الابتعاد عن التفكير بما حدث في الأمس القريب.. لكن قدرته على التماسك كانت تخذله في كل مرة وينهار خائر القوى , دموع ثقيلة تغرق مرة أخرى عيناه قبل أن تنزل على خديه المليئتين بالتجاعيد المبكرة لترسما خطان متعرجتان تنحدران عبر وجهه المستطيل المغطى بطبقة رقيقة من السخام والغبار.
 بعد ردح من الزمن مليء بالتسكع في الشوارع , النوم على الأرصفة وفي مداخل الأبنية , أفلح مؤخرا في الركون إلى ذلك الدار الطيني المهجور ليلا والتسلل منه الى الخارج قبل بزوغ فجر كل يوم , شيئا فشيئا تحول ذلك الدار لديه الى بيت اعتاد لمس جدرانه وآلف رائحة تربتها وهو يفترشها في المساء , أحسّ به كوطن يضمه لدرجة أنه بدأ يفتقده  كلّما أحس بالتعب وحاجة الخلود الى الراحة.
كانت العتمة مطبقة تماما حين سمع أصوات حفنة من الرجال يدخلون البيت المهجور, تخيّل للوهلة الأولى بأنه سمع صرخة ..
ثم تأوهات...
 فأنين.
 انهم يبرحون أحدهم ضربا عنيفا تمتم لنفسه!
مدّ يديه بصورة عفوية ليتحسس تحويشة العمر في جيب سترته السرية تحت إبطه...
 أطبق عليها بكلتا يديه المرتجفتين , فيما كتم أنفاسه خوفا من أن ينتبه أحدهم الى وجوده.
 الصوت انقطع برهة طويلة من الزمن .. لدرجة أنه اعتقد بأن كل ما سمع كان محض خيال... لولا أن ضربات قوية متتالية حينا ومتقطعة أحيانا أخرى, قطعت شكه باليقين.

ألصق جسده بجدار البيت المتهالك وكأنه جزء منه خوفا من أن يطل أحدهم برأسه ويكتشف وجوده في قلب العتمة.
 الصخب تلاشى تدريجيا...
حلّ محلّه صمت مهيب... حتى أنه بدأ يسمع ضربات قلبه وهي تدق بشدة ولأول مرة في حياته بهذا الدوي المرتفع ..
بدأ يجزّ على أسنانه متسائلا:
هل أنا في كابوس مرعب ؟
هل صوت الحارس المسلح مجرد وهم ؟  لأنني ربما اعتدت سماعه كل يوم وهو ينهر الأهالي.
شيئا فشيئا أصبح الظلام يتلاشى وأضواء خفيفة بدأت تتسرب الى الداخل , تردد في البداية على الخروج لكنه استجمع قواه المشتتة ليوثب من مكانه وقد تملّكه ذعر غير مسبوق .. سار بخطوات متعثرة باتجاه الحجرة المجاورة مرورا بمصدر تلك الأصوات التي كانت تأتي من بهو الدار المهجور ...
 هناك في البهو تسمّر في أرضه مصعوقا من هول المنظر....
 الدماء كانت قد صبغت الجدار الطيني الجنوبي .....
رائحة الموت كانت آخذة بالانتشار ,  لثوان معدودة لبث دون حراك قبل أن يهرع الى الخارج وهو يحاول أن يحتفظ بأمعائه داخل جوفه.


2014-04-23
                                                                                                                          
فرمز حسين
  ستوكهولم

Farmaz_hussein@hotmail.com

Stockholm-sham.blogspot.com

Twitter@farmazhussein    





الجمعة، 18 أبريل 2014

صمت المعارضة على الجهاديين



صمت المعارضة على الجهاديين

لا شك أن هناك عوامل عديدة لبقاء نظام الأسد على قيد الحياة على الرغم من ثلاثة أعوام الثورة, هذه الأعوام التي يدفع السوريون بجميع مكوناتهم أغلى ما لديهم مع بزوغ فجر كل يوم وأفوله , لكن أهم تلك العوامل كان ولا يزال هو صمت المعارضة السياسية عن دخول الجهاديين بمختلف تنظيماتهم على خط المعارضة . صمت مخزي لا مبرر له سوى أنهم يحاربون الأسد ,وغض الطرف عن الخلاف الجوهري بينهم أهدافهم وبين مطالب الشعب السوري بالحرية والكرامة والسعي لبناء الدولة المدنية التعددية الديمقراطية.
اليوم مع انطلاقة العام الرابع للثورة يستمر نزيف الدم السوري , تتحطم البنية الداخلية للوطن ,تتفاقم معاناة اللاجئين وعذابات المهجرين, فيما المعارضون صامتون عن نطق الحقيقة و هم يقبضون رواتب نضالهم!

الأحد، 13 أبريل 2014

هل حقا باتت الدولة الكردية أمرا واقعا؟



هل حقا باتت الدولة الكردية أمرا واقعا؟

فرمز حسين

خاض الكرد على مدى عقود طويلة كفاحا مريرا في وجه أعتى الديكتاتوريات التي عرفها التاريخ, وكانت التضحيات جسيمة والاخفاقات متتالية فيما التعاطف الدولي كان شبه منعدم مع قضية أكبر شعب يعيش على أرضه دون دولة تخصه, محكوما من قبل أنظمة مستبدة تنتمي لقوميات مخالفة .
بغي وطغيان تلك الأنظمة الجائرة وبروز بوادر أخطار سياساتهم الهمجية على المنطقة والعالم ,بدءا بوصول نظام الملالي في طهران إلى الحكم , مرورا بغزو صدام حسين للكويت, وصولا الى دموية نظام الأسد في التعامل مع مناوئيه و نمو مختلف التيارات السلفية ,الجهادية, المتطرفة, فتح أعين العالم الخارجي على المكون الكردي الذي لا تربطه عداوات تاريخية لا مع الغرب ولا الشرق السياسي ويعدّ أقرب منه الى العلمانية حيث يمكن الرهان عليه في لعبة المصالح السياسية التي تعدّ محرك الدفع خلف مجمل القرارات الدولية كشريك سياسي بديل في منطقة استراتيجية غنية بمصادر النفط و الطاقة ومتنوعة من حيث التكوين البشري في حقبة اتسمت بتعاظم دور الاسلام السياسي بحركاته الراديكالية التي تأخذ أكثر فأكثر مناحي متطرفة معادية للغرب.
مع هبوب رياح التغيير التي  قدمت مع الربيع العربي بدأت الخطوة الأولى في مسيرة الألف الميل باتجاه التحرر من القيود المصطنعة التعسفية التي وضعت من قبل أنظمة غريبة مستعمرة للمنطقة . ما يجري الآن في المنطقة هو عملية دفاع مشروع عن وجود وكينونة , قومية , دينية, طائفية, وحتى أيديولوجية كانت منصهرة تعسفيا في محاولة لإجبار كل طرف على الاعتراف  بالآخر بغية الوصول الى قرار حر إما بالعيش الاختياري المشترك ضمن الحدود الحالية المصطنعة أو الانقسام اعتمادا على التوزيع الأصلي جغرافيا وبشريا.
يذهب الكثيرون بعيدا في اتهاماتهم للكرد بشتى النعوت متجاهلين الحقائق التاريخية ومتناسين معاناة هذا الشعب و رزوحه تحت ثقل غبن سياسي ممنهج تراكم عليهم لعقود طويلة افتقدوا خلالها لأدنى درجات التعاطف الخارجي أو التضامن الداخلي.
انفجار الثورات في مختلف البلدان العربية في زمن العولمة وازدهار التقنية والفضاء المفتوح مع انتشار واسع للجاليات الكردية في شتى أصقاع الأرض, هذا الشتات الذي يعدّ بدوره  احدى افرازات السياسات الجائرة في عموم أجزاء كردستان يضخ اليوم بقوة امكانات اضافية لحركة  التحرر الكردية ويضع قياداته أمام مسؤوليات تاريخية  لن تتكرر. بنظرة سريعة الى الخلف نرى أن الظروف الدولية كانت من أهم العوامل التي مهدت لتأسيس اقليم كردي في جنوب كردستان وكان أخطر تهديد على انجاحه هو الاقتتال الداخلي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني ولولا التوصل الى اتفاق مناصفة السلطة لضاعت تلك الفرصة ولما تحقق النموذج الفيدرالي السائد اليوم في العراق.
لاشك أن الظروف الدولية اليوم شبيهة بتلك التي أعقبت حرب الخليج على الأقل من وجهة نظر كردية ما يعني اما الاتفاق على صيغة مشتركة بين الطرفين الكرديين المتنافسين في كردستان العراق والاتفاق على منهجية سياسية تتسم برؤية تتجاوز الأسوار الحزبية التي من شأنها القضاء على كل فرص التلاحم القومي وإما الاستمرار على وضعية قيادات مناطقية تسير طبقا لتقاليد قبلية مؤطرة ضمن مؤسسات حزبية.

 حلم اعلان كردستان العراق دولة مستقلة أقرب منه اليوم الى الواقع من أي وقت مضى والخشية من تقويضها لا تكمن عند حكومة المركز في بغداد ولا في القوى الاقليمية ولا الدولية بل بين البارزانيين و الطالبانيين.
فرمز حسين
2014-04-12
ستوكهولم

الأربعاء، 9 أبريل 2014

لا للفرقة السياسية اللامبررة



 توحيد أربعة فروع البارتي الديمقراطي الكردستاني يفرض على المجلس الوطني الكردي إعادة صياغة هيكلته البنيوية بهدف تجاوز سلبياته, حيث كانت أهمها تمثيل الأحزاب الصغيرة المفتقدة  لقواعد ومقومات الأحزاب في المجلس, الأمر الذي أثر سلبا في عملية صياغة القرارات من جهة كما أنه كان عاملا مشجعا على الانقسامات الحزبوية نظرا للقدرة على الحصول على التمثيل في المجلس.
كما أنّه قد آن الأوان  لبقية الأحزاب التي تحظى ببعض الشعبية ولها جمهورها مثل اليكيتي والطرف الموالي للثورة من حزب الوحدة بالتقارب ,أليس على حزب المساواة مثلا اعادة النظر في جدوى عدم عودتها الى التقدمي   والبارتي جناح نصر الدين جدوى عدم انضمامه الحزب الموحد الجديد.
الأعباء كثيرة والقضية أكبر وهناك متسع لكل من يريد حقا أن يقدم خدمة لأهله ووطنه دون أن يحمل لقب سكرتير حزب, وأنا متأكد بأن حزب الاتحاد الديمقراطي سوف يستقبل بصدر رحب كل من يبقى خارج السرب!؟

الدولة الكردية القادمة



انتابني شعور بالغبطة وأنا أقف لأول مرة في حياتي أمام شرطي يتحدث الكردية في مطار هولير, دقق في جواز السفر ثم طرح بعض الأسئلة الروتينية قبل أن يختم جوازي بسمة الدخول لمدة خمسة عشر يوما.
لم يفارقني ذلك الشعور الجميل طوال مدة اقامتي في اقليم كردستان على الرغم من الظروف العصيبة التي يمر به أهلنا والتي تعد بعضا من افرازات الوضع المأساوي في سورية. دامت زيارتي ثمانية أيام , زرت خلالها معبر فيشخابور, مخيم دوميز , مدينة دهوك , زاخو, وأخيرا هولير قبل العودة الى ستوكهولم ,لكن ذلك الشعور لم يكن مكتملا,ما كان ينغّص عليّ ويمنعني من الاسترسال في التفاؤل بأن الدولة الكردية قادمة هو ذلك الشعور بأن التمسك بالحزبية المبنية على أسس مناطقية عشائرية لا أيديولوجية بدا أقوى بكثير من التمسك بالكوردايتية , ربما لأن زيارتي جاءت تزامنا مع الانتخابات البرلمانية العراقية وانتشار صور وأسماء المرشحين بكثافة في كل مكان. 
كم أتمنى أن أكون مخطأ.
.