الأحد، 14 أبريل 2019

مأساة بسيطة


مأساة بسيطة
قصة : ستيغ داغرمان
ترجمها عن السويدية : فرمز حسين

المآسي الكبيرة كلها حدثت منذ زمن بعيد.  نستطيع القراءة عنها في الكتب و نشاهدها على خشبات المسارح. في أيامنا هذه تحدث مآس بسيطة فقط مثل أن ينجب الناس أطفالاً على الرغم من أن قدراتهم المادية لا تسمح لهم بالزواج، أو أن ساعي بريد متزوج يقع في غرام امرأة أثناء جولته الثالثة وهي واقفة على عتبات درج منظّف للتو، و لكنه لا يستطيع أن يشتري لها قبعةً، لأن لديه ابناً غير شرعي يؤمن له حاجاته
كان ذلك في الخريف و كان المطر  يتساقط على وتيرة شبه متواصلة. حذاء ساعي البريد كان مبتلاً دائماً، و حين يصل إلى مداخل البيوت كان عليه أن ينظف قطرات الماء من  فوق عينيه لكي يتمكن من رؤية فتحة الرسائل في الباب و يحدث أحياناً أن تتساقط قطرة من المطر على العنوان و أن يفتح أحدهم الباب و يحتج على أن ساعي البريد يجب ألّا يعبث برسائل الآخرين. كان شخصاً مرهفاً و كان يشعر بالاستياء لأن لم يكن في مقدوره إرضاء الجميع و حين يعود إلى البيت كانت زوجته تشاجره لأن المطر يهطل أو لأن لديه طفلاً، أما هي فليس لها أطفال، أو أنه لا يزال مرتدياً حذاءه أو لأنه لا يترقى أبداً ليصبح مشرفاً على سعاة البريد.  لم يكن يرد عليها بشيء، و لكنه كان يحس بأن حبه لها قد انتهى . ليس كما كان من ذي  قبل على أية حال.
في المساء، وخلال جولته الثالثة رأى "لينا" على الدرج. لم يفكر كثيراً فيها بداية الأمر. لم يكن الأمر أكثر من أنها أعاقته بعض الشيء عن أداء عمله. كان يصعد  و هي كانت جاثية على ركبتيها على الدرج و تقوم بتنظيفه. و لأنه عادة يمشي بهدوء شديد فانها لم تنتبه إلى قدومه و استمرت في التنظيف، و لأنه كذلك  خجول جداً بطبيعته فلم يجرؤ على قول شيء بل تقهقر إلى الوراء، ووقف منتظراً خلفها على الدرج. أربع عتبات كانت متبقية، لكن الوقت كان كافياً ليتمكن من أن ينظر إليها،  و طبعاً  حين نمعن النظر وقتاً طويلاً نوعاً ما  إلى امرأة فقد يحدث بأننا نبدأ بحبها، على الأقل بعض الشيء.
ساعي البريد لمح ظهرها. كانت شابة بريئة، و بدت عجولة حين كانت تنحني. أعجبه ذلك كثيراً،  و أحب شعرها أيضاً لقد كان أشقر طبيعياً، و كان ينسدل دائماً على جبينها، و كذلك راق له يديها و ذراعيها و هما تداعبان عتبات الدرج بقماشة التنظيف.
تمنيت لو أنني عتبة درج  عال و أنتِ تنظفينه قال محدثاً  نفسه. لقد عرف بأنه سوف يغرم بها لو أنها أيضاً جميلة عندما تلتفت  إليه بوجهها .
حينها التفتت إليه. لقد كانت جميلة جداً ، بدأ يتلعثم.
أريد أن أنن ن أصعد الددددرج فقط  قال.
هل معك رسائل ل بروبيرغ؟ قالت متسائلة.
في الوقت الذي كان يفكر فيما إذا كان هناك بريد بالاسم المذكور، قام أيضاً بمساعدتها في رفع دلو التنظيف إلى بابها.ثم بدأ يبحث في حقيبته . لم تكن هناك رسالة لهم، و لكن كانت هناك جريدة للصيادين.
-"يوليوس بروبيرغ "قال ، و كان يتمنى في قرارة نفسه طوال الوقت أن يكون ذلك هو اسم  أخيها.
لكنه كان زوجها و كان صياداً في أيام الأحد و أحياناً في الليالي أيضاً، أما في الأحوال العادية فهو يعمل جزاراً .
ناولها الجريدة و بدا عليه مهموماً لدرجة أنها سألته إذا كان قد ألمّ به شيء ما.أحبّ أيضاً عذوبة صوتها ،لأننا عندما نحبّ أحدأ نحبّ كل شيئ فيه.
نعم كان هذذذا كل شيء قال . أحياناً تكون المغلفات كبيرة لايمكن ادخالها من فتحة الرسائل و نضطر حينها إلى طرق الباب .
سُمعَ قدوم أحدهم من على الدرج ربما كان شخصاً فضوليأ او أطفالاً يثرثرون فدخلت إلى بيتها.
اسمي لينا همست من خلال ثقب الباب و لكن لا تأتينا أبداً تلك الرسائل الكبيرة. الساعة الخامسة عادة يكون زوجي في البيت.
كان الصقيع على الأرض و حين خرج سقط على ركبتيه، لكنه كان عاشقاً  فلم يشعر بالألم.
قبل أن يذهب إلى البيت كان في داخل محل لبيع السيجار في الشارع الذي يقيم فيه، و اشترى مغلفاً كبيراً. احمرّت و جنتاه حين اشتراه ، تماماً و كأنه أقدم على عمل مشين و لكي لا يثير الشكوك اشترى أيضاً جريدة مسائية ثم دخل إلى بوابة كبيرة ، مزّقَ الجريدة ووضعها داخل المغلف. و بأياد مرتجفة ،و و أحرف ملتوية كتب اسم المرسل إليه : يوليوس بروبيرغ و عنوانه.
في المساء جلسا بعد العشاء كالعادة على طاولة غرفة الطعام، و قرأت له زوجته بصوت عال من رواية عشق أيام حرب الثلاثون عاماً.
كان موزع البريد يعبركل الجبهات مهما كانت خطرة في سبيل الالتحاق بحبيبته. كانت صبية من أهالي "لوتزن". استمع بانتباه غير مسبوق للقصة، لأنه شعر و كأن الكتاب يتحدث عنه شخصياً.
و تأمل أن يسمع بعض النصائح من موزع البريد ذاك ، لكن ذلك لم يحدث، لأن مصلحة البريد كانت مختلفة في تلك الأيام. بعد الفصل الخامس عشر توقفت الزوجة عن القراءة و قالت:
أليس ذلك رومانسياً؟ أخبرني ! انظر كم كان الناس في ذلك الزمان يحملون في صدورهم عواطفاً جياشة!
نعم قال ساعي البريد و هو يفكر في رسالته الضخمة و التي كانت حينها في طريقها إلى مكتب البريد على متن سيارة صفراء كبيرة.
في اليوم التالي كان واقفاً أمام بيت" بروبيرغ  "لاهثاً متقطع الأنفاس لأنه ركض طوال الطريق. رنّ جرس الباب و لكن لم يأت أحد لفتحه. رنّ الجرس لمرات عديدة ولم يفتح أحد الباب . في نهاية الأمر خرج رجل عجوز من الباب المجاور، وقف و نظر إليه كان رجلاً هرماً من ذلك النوع الذي يعرف كل  كل شيء و يريد للآخرين أيضاً أن يعرفوا ذلك.
لايوجد أحد في البيت قال . المرأة في الخارج  فهي لها اشتراك في إحدى الجرائد و زوجها في المسلخ.
و لا تضغط على زرالجرس هكذا بشدة، فالبطاريات التي في البناء كافية فقط لثلاث ساعات وإعادة شحنها أمر صعب جداً . فيما مضى كنّا نحصل على البطاريات من ألمانيا، و أخي كانت لديه شركة في حي "كونكسهولمن". لمعلوماتك في ذلك الوقت كان شكل "كونكسهولمن" مختلفاً عن الآن، و في وقت من الأوقات كانت هناك عربة لنقل الركاب خرجت عن طريقها، و تدحرجت خارج"سيرافيرمن". و لكن الآن تذهب كل الأحصنة إلى روسيا، و لا أعلم ماذا سيحدث بعد ذلك؟. قرأت في الجريدة بأننا الآن سوف نشتري كميات ضخمة من المكسرات، لدرجة أننا لن نتمكن من عمل شي طوال حياتنا سوى  تكسيرها.
فقط كنت أكسر دائما واحدة بأسناني،  و لكن ذلك انتهى . لقد تعرفت  على كل حال على طبيب أسنان. طبيب من النوع الحذق، يجبرني على إخراج السعوط من فمي، لديّ عنوانه إن شئت.
لا، شكراً  أجاب ساعي البريد.
لماذا إذاً تأتي و تطرق الباب و تزعج الناس؟ تابع الرجل المسن إذا كنت لا تريد العنوان؟
لأجل هذا المغلف فقط أجاب الساعي ، إنه  لا يدخل في فتحة الرسائل لحجمه الكبير،  و لذلك سوف أعيده معي للجولة القادمة.
يمكن إدخاله طبعاً. قال العجوز و سحب الظرف من ساعي البريد و دسّه في فتحة الرسائل .
كانت هناك أساليب أخرى في عهدنا لو كنت  معنا حينها.
طبعاً قال ساعي البريد، و هو يركض خارجاً من هناك .
في الجولة الثانية لم يكن أيضاً ثمة أحد في البيت .أما في الجولة الثالثة فقد كانت لينا في البيت. بدا عليها السرور حين وقع نظرها على ساعي البريد، كانت قد تشوقت لرؤيته و لكنها لم تكن تستطيع مصارحته بذلك ، فقط عندما لا نرتاح لشخص ما  نستطيع قول ذلك في غيابه.
أريد فقط أن أعرف فيما إذا الرسالة تعرضت للضرر أم لا قال الساعي. لأن رجلاً عجوزاً خرج  و سحب مني الرساله و دسّها في فتحة الباب .لكنني قرعت على الباب في الجولة الثانية و الثالثة.
يالسوء الحظ!
 قالت ، على فكرة لا أعرف محتوى الرسالة لأنها ليوليوس، و يوليوس ليس في البيت بل إنه في ليلة صيد. و لكنني وضعت الرسالة على عداد الغاز، و إذا شئت تستطيع الدخول لترى بنفسك إن كان مكانها مناسباً، لأنني شخصياً لست معتادة على حفظ الرسائل.
حينها قال الساعي مع الأسف لأنني مستعجل بعض الشيء الآن، و في الحقيقة غير مسموح لنا الدخول إلى البيوت أثناء تأدية عملنا .
لكن،  تابع قائلاً:
 أحيانا عندما يكون هناك بريد  مهم جداً، حينها أقوم بجولة رابعة و حينها أيضاً أكون مضطراً للدخول،  و وضع الرسالة على طاولة المطبخ .
طيب أهلاً بك في الجولة الرابعة إذاً؟
 قالت ذلك و هي تغلق الباب.
حين عاد في المساء إلى البيت قال لزوجته  بأنه مضطر ان يذهب الى محاضرة تعليمية حول تصنيف الرسائل، و أن ذلك سوف يُسهل أمر ترقيته الى مهمة مشرف على سعاة البريد.

عندها جلست زوجته على ركبتيه، و قالت:  لن تذهب طبعاً، و بأن عليه أن يصبح موزعاً للبريد مثل من هم  في القصة ، كونهم يتمتعون بعواطف جياشة.
ثم أحضرت الكتاب و بدأت تقرأ فيه. تعرّق و شعر بالحزن  و حين انتهت من قراءة الكتاب، كان لايزال هناك متسع من الوقت للذهاب إلى السينما. و أمام دار السينما ومن بين الجمهور الحاشد أراد أن يختفي من هناك، و لكنها بدأت تصيح منادية عليه  بصوت عال لدرجة أنه خاف من الفضيحة.
كانت أحداث الفيلم  تدور حول قصة حب ممنوع في القرن السابع عشر، و زوجته كانت متأثرة جداً بالقصة و في طريق العودة إلى المنزل قالت بأنها تحب قصص المآسي الكبيرة.
عندها فرح ساعي البريد كثيراً، و في منتصف الشارع صارحها بكل شي. تحدث عن المطر في الصباحات الباكرة، و عن الرسائل المبللة و عن تلك التي كانت تنظف الدرج، و عن مشاعره نحوها، و عن الرسالة الكبيرة، و عن زوجها الجزارالذي يغيب للصيد في الليل، و أخيراً عن موعدهما للالتقاء على طاولة المطبخ.
عندها أمسكت زوجته بذراعيه بقوة، و لم تتركه حتى وصلت به إلى بهو الدار . هناك رفعت قبعتها عن رأسها و قالت:
أتجرؤ على قول ذلك بعد أن شاهدت مأساة كبيرة عن قصة حب عظيم في فيلم ضخم. و لا تستحي ! و كيف ستتمكن من إعالة زوجتين  و ابن غير شرعي بدخلك الضيئل؟ و كيف تستطيع بعد ذلك النظر إلى قردة متزوجة و هي تغازل كل ساعي بريد على عتبات كل درج؟ و ماذا سيقول زوجها الجزار؟
 في الليل فارق النوم عيني ساعي البريد، و لم ينم حتى فهم بأن كل المآسي الكبيرة قد وقعت في الماضي، و الآن فقط هناك المآسي الصغيرة جداً هي المتبقية. و لينا أيضاً لم تستطع النوم كانت وحيدة و تبكي.
مصباح الليل الخافت كان مضيئاً و كانت تحتفظ بمرآة  معها على الوسادة، و حين نظرت إلى نفسها في المرآة لم تر إلا العجز و الترهل. لكن الجزار عاد إلى البيت ، كان ثملاً ، فرحاً و حين فتح الرسالة قال انهم يريدونني أن أشترك في الجريدة المسائية .
لكن إذا جاءتني كل مرة جريدة ممزقة كهذه فهل أشترك إذاً؟ لكن لابد أن ذلك  من فعل  البريد و إذا التقيت مع ساعي البريد ذاك فسوف يكون التوبيخ من نصيبه ، سوف يكون له!

ستيغ داغرمان
 1923-1954
.

فرمز حسين كاتب و مترجم سوري
ستوكهولم
2019-03-22
نشر بموافقة من مالكي حقوق مؤلفات ستيغ داغرمان , ستوكهولم, السويد.
(published with the approval from the Stig Dagerman Estate).

السبت، 16 فبراير 2019

الكلب الضال


الكلب الضال

يلمار سودربيرغ
ترجمة: فرمز حسين
مات رجل و بعد موته، لم يعتن أحد بكلبه الأسود . الكلب حزن طويلاً و بمرارة. لكنه لم يدفن نفسه مع سيده في قبره، ربما لأنه لم يكن يعرف مكان القبر، ولربما أنه في الأساس كان لايزال كلباً صغيراً، و مرحاً. و يرى بأن أمامه الكثير في الحياة مما لم يفعله بعد؟
يوجد نوعان من الكلاب : كلاب لها مالك و كلاب ضالة . ظاهرياً ليست هناك اختلافات جوهرية، الكلب الضال قد يكون سميناً مثل بقية الكلاب و غالباً مايكون أكثر سمنة. لا الاختلاف يكون في أشياء أخرى. الإنسان بالنسبة للكلاب مصدر رعاية لاحدود لها، وهو كالإله بالنسبة لها. إنه سيد تطيعه و تتبعه و تثق به، هذا هو المعنى الحقيقي من حياة الكلب.
 طبعاً لايكون مالك الكلب شاغلاً جلّ تفكيره به في كل دقيقة من اليوم و مؤكد أن الكلب لا يتبعه خطوة بخطوة ، بل يركض  غالباً وحده و له أعمال تشغله ، فهو  يجري و يشمُّ متنقلاً من ركن منزل إلى آخر. يربط تواصله من خلال ذلك، من  بقعة إلى أخرى، و يحظى بعظمة ما، إذا سنحت له الفرصة.
 ثم ينشغل بها طويلاً، لكن في اللحظة التي يسمع فيها تصفيرصاحبه، فإن كل مشاغله الخاصة به  ككلب تطير من رأسه و يبدأ بالركض بسرعة أكبر من هروب التجار من المعبد حين يسمعون إشارة الإنذار،لأنه يعرف بأن تصفير صاحبه يعني أنه قد يكون محتاجاً لشي ءما، فينسى زوايا البيوت و ينسى عظمته و رفاقه و يسرع راكضاً نحو سيده.
الكلب الذي مات مالكه دون أن يعلم كيف؟، و دون أن يعرف أين دفن؟.حزن عليه كثيراً  لكن الأيام مضت و لم يحدث شي يذكره بمالكه، و بذلك نسي الشارع الذي كان سيده يسكنه، إذ لم يعد يتعرف على رائحته لاقتفاء أثره وحين كان مع أحد رفاقه و يتجولان على العشب، كان غالباً يسمع صفيراً يطلق في الهواء، و في اللحظة نفسها يغيب رفيقه كالريح. حينها كان يرفع أذنيه عالياً، و لكنه لم يكن يسمع تصفيراً  شبيهاً بتصفير مالكه،  و هكذا ينسى مرة أخرى و حتى أنه نسي أكثر من ذلك، نسي أنّه يوماً من الأيام كان له سيد .نسي أنه لم يكن يملك الوقت الكافي ليعرف أن بإمكانه العيش بدون مالك، و هكذا  أصبح، كما نستيطع أن نصفه بكلب شاهد أياماً أفضل بدون مالك، على الرغم من أنه بالمعنى الحقيقي كانت مرحلة نوعية  ظاهرياً، و جيدة مثل نوعية حياة أي كلب كان. يسرق طعاماً طيباً من حين إلى آخر في الساحة، و يعارك أحياناً، و لديه قصص حب، و يتمدد على مقعد ما، حين يكون متعباً، و أصبح لديه أصدقاء و كذلك أعداء. كان يوماً ما يضرب كلباً أضعف منه، و في يوم آخر يُضرَب من كلب أقوى منه.
في الصباحات الباكرة كان يشاهد و هو يركض في الشارع الذي كان صاحبه يسكن فيه، هناك كان لايزال بحكم العادة أكثر مكان يتواجد فيه وهناك يركض بسرعة وكأن لديه قضايا مستعجلة عليه تنفيذها، يشتم أحد الكلاب المارة من هناك و لكنه لا يعيره اهتماماً أكثر بعد ذلك، ولا يلحق به لمصاحبته، ثم يسرع بعض الشيء. يجلس بعدها قليلاً. يحك خلف أذنيه بحيوية مفرطة، واللحظة التالية. يركض عابراً الشارع ليطارد قطاً أحمر، في نافذة القبو، ثم بعدها يعود ليسير في الشارع،  حتى يختفي خلف منعطف الطريق.
هكذا مرّت أيامه و أمضى حياته  عاماً وراء آخر، ليهرم  دون أن ينتبه لذلك.
وفي ذات مساء غائم،  كان الطقس رطباً  و بارداً، و تتساقط بعض زخات المطر بين حين وآخر. الكلب العجوز كان قد وصل في تجوله حتى تخوم المدينة صعد ببطء الشارع و هو يعرج قليلاً. وقف مرتين، و هو يلحس فروته السوداء التي تحولت مع الأعوام الى رمادية اللون،  حول رأسه و عنقه. توقف، و هو يشتم من على يمنيه و على يساره، ثم التفت ليدخل بوابة بناء، و حين خرج كان كلباً آخر في صحبته،  بعد لحظة جاء كلب ثالث، كانا كلبين يافعين و يحبان الجري و المداعبة، و يريدان أن يلاعباه، لكنه كان في حالة سيئة وبالإضافة إلى ذلك، فقد بدأ المطر يهطل بغزار.ة حينها شق الهواء صوت صفير.  صفير طويل و قوي، الكلب العجوز نظر الى الكلبين الآخرين اليافعين، لكنهما لم يعيرا انتباهاً للتصفير . لم يكن تصفير مالك أي منهما، و بذلك فهما ليسا معنيين بالأمر. حينها رفع الكلب العجوز الضال  أذنيه  وأحس بشي غريب يصيبه. ثم سمع تصفيراً آخر و عندها بدأ الكلب العجوز بالركض في هذا الاتجاه حيناً، و في الاتجاه الآخر حيناً آخر، كان سيده هو الذي صفر وعليه أن يلحقه...!!!!

للمرة الثالثة سمع تصفيراً مديداً، بالطول و القوة نفسيهما، أين هو إذاً ؟ في أي اتجاه يكون؟  كيف انفصلت عن سيدي و متى حصل ذلك؟. في الأمس. قبل الأمس، أو ربما منذ لحظة؟ و كيف هي رائحته و أين هو؟ ركض يشتم كل من مرّ من  هناك و لكن لم يكن أحدً منهم مالكه، و لم يكن أحد يريد أن يصبح مالكه؟؟!
 حينها التف عائداً و ركض إلى زاوية الشارع. وقف هناك، و نظر حواليه في جميع الاتجاهات، لم يكن سيده في أي مكان هناك. حينها أقفل راجعاً  في الشارع نفسه بسرعة. القذراة كانت تغطي جسمه، و  قطرات المطر كانت تتساقط من فروته. توقف و هو ينظرحوله، لكن سيده لم يكن في أي من تلك الأماكن. عندها جلس عند تقاطع الشارع و مدّ رأسه المغطى بالفرو باتجاه السماء و أصبح ينبح.
هل رأيت أم سمعت عن هكذا كلبٍ ضال يرفع رقبته باتجاه السماء وينبح، ينبح نباحاً حزيناً؟ الكلبان الآخران ابتعدا بهدوء، و ذيالهما مطوياً بين أرجلهما. فهما لا يستطيعان مواساته أو مساعدته.


ترجمها عن السويدية: فرمز حسين
ستوكهولم


الاثنين، 11 فبراير 2019

طائر الفينيق




طائر الفينيق
أوغست ستريندبيرغ*
الترجمة عن السويدية: فرمز حسين
كان ذلك في موسم الفراولة البرية في حديقة الكاهن حين رآها أول مرة. كان قد رأى قبلها فتيات كثيرات، لكن حين وقع نظره عليها عرف أنها هي، إلا أنه لم يجرؤ على قول شيء. ابتسمت له. كان لايزال تلميذاً في الإعدادية، لكنه عاد مرة أخرى وهو طالب جامعي، فقبّلها، ورأى توابيت المدافع وسمع أصوات الناقوس وبوق الصياد وشعر بالأرض وهي تتزلزل من تحت قدميه. كانت صبية في الرابعة عشرة من عمرها. نهداها ممتلئتان ومتوثبان عالياً وكأنهما بانتظار أنوف طامعة صغيرة، وأياد صغيرة خبيرة مداعبة. مشيتها كانت واثقة. شعرها كان أصفر كثيفاً وكأنها قطعة عسل على الرأس تترك رذاذاً من الماء من فضاء جبينها، العين كانت حارقة والجلد أملس ناعماً مثل قفاز اليد. كانت خطيبته ويتبادلان القبلات مثل طيور الحديقة تحت ظلال الزيزفون في الغابة، والحياة ماثلة أمامهما كمرج مضيء لا مثيل له، ولكن كان عليه أن ينتهي من دراسته أولاً، وأن يحصل على شهادته وهذا كان يتطلب عشرة أعوام خارج البلد! عشرة أعوام!
 وهكذا ذهب إلى أوبسالا، وفي الصيف عاد إلى حديقة الكاهن مرة أخرى. كانت جميلة كما كانت من ذي قبل. ثلاث مرات عاد إلى الحديقة. لكنها في المرة الرابعة كانت شاحبة. وثمة خطوط حمراء صغيرة بدت في زوايا أنفها، صدرها كان قد انخفض، حين جاء الصيف للمرة السادسة كانت تتناول عقار الحديد، وفي الصيف السابع كانت تنتقل إلى منتجع على البحر، في الصيف الثامن كانت تشكو من وجع الأسنان وكانت عصبية المزاج. الشعر كان قد فقد بريقه والصوت أجش ونقاط سوداء على الأنف، صدرها كان قد اختفى وتكورات جسدها كانت قد زالت وخداها تجوفا. في الشتاء أصيبت بحمى العصب وكان عليها حلاقة شعرها. وحين نبت من جديد أصبح لونه أشقر رمادياً. هو كان قد وقع في غرام فتاة شقراء في الرابعة عشرة من عمرها، ولم يكن يتخيل أبداً بأن ينظر إلى أخرى ذات شعر بني اللون، ولا أن يتزوج بتلك التي في الرابعة والعشرين، والتي لم تكن تريد أن تكون محظوظة كعروس. لكنه مع ذلك أحبها. حبه لم يكن عاصفاً كما كان، ولكن كان ثابتاً وهادئا، وفي تلك المدينة الجبلية الصغيرة لم يعكر صفو سعادتهما الهادئة أحد. أنجبت طفلين واحداً تلو الآخر، لكن الرجل كان يريد من كل قلبه أن تأتيه ابنة. وحينها رزقا بمولودة، بطفلة شقراء صغيرة، صارت قرة عين أبيها.
كبرت وأصبحت شبه أمها، أصبح عمرها سبع سنوات وبعمر الثمانية أصبحت صورة عن أمها حين كانت صبية هي الأخرى. والأب لم يكن يلهيه أي شيء آخر عنها في عطلته. الأم كانت منهمكة بأعمال البيت وأصبحت يداها خشنتين. أنفها أصبح كقناع وصدغها أجوف. كانت تُشاهَدُ دوماً وهي واقفة بانحناء من فوق الموقد. فكانا يلتقيان فقط عند الوجبات على مائدة الطعام وفي الليالي. لم يكونا يتشاجران أبداً. لكنهما لم يكونان كما كانا من قبل أيضاً.
في إحدى الصباحات بقيت نائمة في السرير ولم تكن تريد النهوض. الأم ظنت بأن ذلك نتاج مرض المدرسة، لكن الأب استدعى الطبيب. ملائكة الموت كانت قد جاءت لزيارتهم، لقد كانت مريضة بالدفتيريا. أحد الوالدين يجب أن يغادر البيت إلى المدينة مع بقية الأطفال، الأب لم يرغب في أن يهرب. الأم يجب أن تغادر البيت إلى المدينة مع بقية الأطفال والأب مكث مع المريضة. وها هي طريحة الفراش الآن، ودخان الكبريت المستخدم في البيت حوّل إطارات الصور الذهبية إلى سوداء، وحتى الأشياء فضية اللون في الحمام أيضاً أصبحت سوداء.
الأب كان شارد الفكر وهو يمشي في الغرف الفارغة، أو في الليل عندما كان يستلقي وحيداً على السرير الكبير يشعر بنفسه وكأنه أرمل، اشترى ألعاباً للصغيرة وهي طريحة الفراش. سألت عن أمها وعن أخوتها. والأب خرج برأسه من النافذة، وأومأ للأم وأشار للأولاد ملوحاً بقبلات عن بُعد. والأم أرسلت تلغرافاً على صفحات أوراق زرقاء وحمراء من خلال خطوط النافذة، ولكن في أحد الأيام لم تعد الصغيرة تبتسم. وفقدت القدرة على الكلام. الموت جاء، جاء بذراعيه الطويلتين القابضتين وخنقها. عندها عادت الأم كانت تعاني من تأنيب الضمير لأنها تخلت عن ابنتها. وكانت تعاني أيضاً من بؤس وضيق شديدين. وعندما أراد الطبيب أن يأتي ليشرّحَ جثة الصغيرة، لم يكن الأب يريد ذلك، يجب ألا يؤذوها بسكاكينهم، فهي بالنسبة له لم تمُت. ولكن كان يجب حدوث ذلك.
وحين دُفنت بنى لها قبراً يرعاه، وصار يذهب إليه كل يوم على مدار السنة. في العام الذي بعده أصبحت زياراته أقل. كان العمل شاقاً والوقت ضيقاً. السنوات بدأت تثقل والخطوات أصبحت أكثر ثقلاً مما كانت والحزن زال. أحيانا كان يخجل لأنه لم يحزن كثيراً، ولكنه نسي هكذا مع الأيام، رزق بابنتين أخريين، لكن ذلك لن يعوضه التي رحلت.
الحياة كانت قاسية. الزينة اختفت عن تلك المرأة الشابة التي كانت جميلة يوماً ما، الزينة غابت عن تلك الدار التي كانت في يوم من الأيام صافية ومشرقة. كان الأطفال يطرقون على أواني الفضة التي كانت من بعض هدايا الزوجة القَيّمة، وكسروا بعضاً من السرير وضربوا أرجل المقاعد بأقدامهم. حشوة الأريكة خرجت وغدت بارزة والبيانو لم يفتح أعواماً طويلة. الغناء كان قد توقف واحتل بكاء الأطفال مكانه، والأصوات كانت قد أصبحت خشنة، الكلمات الرقيقة أركنت جانباً مثل ثياب الأطفال. بدأ الإحساس بالكبر والتعب. الأب لم يعد يركع على ركبتيه، للأم لكنه يبقى ملازماً في مقعده ويناديها لإحضار أعواد الثقاب، حين كان يريد إشعال غليونه. لقد غدا عجوزاً!
وهكذا مع الأيام ماتت الأم عندما كان الأب في الخمسين من عمره. ولكن من حين الى آخر كان يطفو الماضي، عندها كان يرى شخصيتها المتكسرة والمتعبة من مصارعة الموت، وهي توارى الثرى وترجعه الذكريات إلى اليوم الذي ظهرت فيه تلك الصبية ذات الأربعة عشر ربيعاً مرة أخرى، وعندها يحزن مرة أخرى على ما فقده منذ وقت طويل مضى ومع الافتقاد يأتي الندم.
هي تلك التي في الرابعة عشرة في حديقة الكاهن، التي لم يحظ بها أبداً، لكنه فقط حصل على تلك التي كانت في الرابعة والعشرين. الشاحبة. كان قد ركع لها على قدميه، كان وفياً لها،  يعبدها وحتى يكون صادقاً مع نفسه فإنها هي التي يشتاق إليها الآن. يتذكر طعامها الطيب المذاق وحنانها الذي لم يكن ينضب. بعد ذلك أصبح أكثر حميمياً مع الأطفال. بعضهم كان قد انتقل من البيت، والآخر كان لا يزال يعيش فيه. بعد أن أرهق أصدقاءه عاماً كاملاً بالحديث عن شريط ذكرياته مع زوجته المتوفاة، حدث شيء غريب. لقد وقع نظره على فتاة شابة، شقراء في الثامنة عشرة، كانت تشبه زوجته تماماً عندما كان عمرها أربعة عشرة عاماً. كان يعتبر ذلك بمثابة منحة من السماء الرحيمة التي شاءت أخيراً أن تكون زوجته. فوقع في غرامها.
هو الآن حظي بها، لكن الأطفال وعلى وجه الخصوص البنات أظهرن عدم ترحيبهن بزوجة الأب الشابة. كن يخجلن من النظر إليها ويظننن بأن أمراً غير سليم يلف هذه العلاقة، وأن الأب قد خان أمهن، وهكذا فقد تركن البيت أيضاً، لينطلقن منه إلى الدنيا الواسعة. كان سعيداً، وفخوراً أكثر لأن فتاة شابة أرادته.
بعد عام أنجبت الزوجة طفلاً. وهو لم يكن يتحمل صراخ الطفل وكان يريد النوم في الليل. انتقل إلى غرفته، ولكن الزوجة كانت تبكي. كان يرى بأن النساء جشعات جداً. وهي كانت تشعر بالغيرة من زوجته السابقة، كان غبياً إذ قال لها عندما كانا في فترة الخطبة بأنها تشبه زوجته الأولى. كما أنها أيضا قرأت رسائلهما الغرامية. الآن حين تبقى وحدها أكثر فأكثر فإنها تتذكر كل ذلك. وعرفت أيضا بأن كل أسماء الدلال قد ورثتها عن الزوجة الأخرى، وأنها فقط بديلتها. هذا الشيء كان يزعجها كثيراً وقد عملت كل ما بوسعها من الأفعال الغبية الممكنة لكي تجعله يحبها لشخصها. هذا الأمر أتعبه، وحين كان في خلوته يقارن بينهما فإنه كان يفضل الزوجة القديمة فعلاً. فهذه لم تكن حنونة مثلها، وكانت تثير أعصابه. وعندها يشتاق لأطفاله الذين أُخرجوا من البيت. عادت إليه الكوابيس ورأى نفسه خائناً لزوجته المتوفاة. كان البيت لطيفاً أكثر حينها، كان غباء ما فعل وكان بالإمكان تجنب ذلك.
وهكذا بدأ يذهب إلى نزل في المدينة، وعندها بدأت الزوجة تغضب جداً، وكأنه يخونها، هو كان طائر لقلق هرم، ولكن كان عليه أن يحترس. رفيق عجوز بهذا الشكل عليه ألا يترك زوجته الشابة وحيدة، فإن ذلك قد يكون خطراً! عجوز؟ هل هو عجوز هكذا؟ لسوف يريها ذلك. وهكذا عاد مرة أخرى إليها ولكنها كانت قد أصبحت أسوأ من ذي قبل. لقد أصبح معذباً مرتين وهو يظن بأنه رأى طائر الفينيق ينبعث محلقاً من رماد حبيبته ذات الأربعة عشر ربيعاً. المرة الأولى تمثل ذلك في شخص ابنته والأخرى في زوجته الثانية، ولكن في ذاكرته تعيش فقط الأولى الصغيرة التي كانت في حديقة الكاهن، في موسم الفراولة البرية تحت الزيزفون. في الغابة تلك التي لم يحظ بها أبداً، ولكن الآن حين باتت شمسه تميل إلى الأفول، والأيام غدت أقصر فإنه لم يعد يرى أبداً غير صورة الأم الكبيرة التي كانت رقيقة معه ومع أطفاله. وحين راحت زهوته وأصبح يرى بوضوح أكثر، صار يتساءل في ما إذا كانت الأم الكبيرة طائر الفينيق الحقيقي الذي نهض بذلك الجمال وذلك الهدوء من رماد الطائر الذهبي، حين كانت في الرابعة عشرة، وبعدها وضعت بيضها وأقلعت ريشها من صدرها لصغارها وغذتهم من دمها حتى ماتت. بقي زمناً طويلاً وهو يفكر في ذلك، وحين وضع أخيراً رأسه المتعب على الوسادة كي لا ينهض بعدها أبداً، كان قد أدركه اليقين.

* أوغست ستريندبيرغ أديب مسرحي سويدي، له قرابة ستين عملاً مسرحياً، وعشر روايات، وعشر مجموعات قصصية، بالإضافة إلى بعض الأعمال في مجال الرسم والتصوير. النص أعلاه من مجموعته القصصية: "المتزوجون" 1884