السبت، 10 أغسطس 2019

المحاكمة ستيغ داغرمان


معلم فن الغياب
ستيغ داغرمان
على الرغم من مرور خمسة و ستين عاماً على موت " داغرمان" و أكثر من سبعين عاماً على صدور باكورة أعماله "رواية الأفعى"  فلا تزال هناك طبعات جديدة من كتبه ترى النور و تترجم إلى لغات أخرى .هذا بالإضافة إلى كتب تناقش نتاجاته الأدبية  باللغتين الإنكليزية و الفرنسية،   و حسب دار النشر العريقة "نورد ستيدت" : فإن داغرمان الى جانب "أوغست ستريندبيرغ "يعتبران من أكثر الكتاب السويدين تأثيراً. "ستريندبيرغ "هو  العملاق الذي يقف في القمة منادياً بأن ناره هي الأكبر في السويد و داغرمان يجيب بخجل بأن قلقه هو الأكبر .ففي الوقت الذي يعكس "ستريندبيرغ" في مسرحيته "لعبة الحلم "عن شعوره بالشفقة على الإنسان فإن داغرمان يضيف إلى ذلك في نص له بأن حاجتنا إلى المواساة لا حدود له.
 و واضح بأن داغرمان كان يبحث عن تلك المواساة المفقودة، من خلال كتاباته و على شكل هروب من واقع ثقيل لا يطاق، و من قلق مرعب كان ينمو و ينمو في أعماقه حتى تمكن منه.
مجموعته القصصية" ألعاب الليل"  صدرت عام 1947  أي أن كتابتها جاءت و ظلال الحرب العالمية الثانية كانت لاتزال مخيمة على أوروبا، و في الحروب الأقوياء و المنتصرون فقط هم الذين يحظون بالاحترام. أما الضعفاء فليس لهم قيمة و لاذكر و يتم نسيانهم .هؤلاء يريد داغرمان إظهارهم في قصصه.
"داغرمان "عاش حياة قصيرة  جداً فقط ، لم تتجاوز واحداً وثلاثين عاماً، كانت حياة غزيرة بالانتاج الأدبي. أصبح كاتباً شهيراً و هو لايزال في السادسة و العشرين من عمره، و بعد ذلك بخمس سنوات مضطربة سوداء و صعوبة و تعثر ، بل عقم في الكتابة، و فشل عاطفي في زواجه، و متاعب مادية و ديون، كل تلك العوامل قادته إلى أن يضع نهاية لحياته منتحراً، بعدعدة محاولات غير مكتملة سابقاً.
 الكاتب و الناقد الإيرلندي المعروف "كولم تويبين" يصف "داغرمان في تقديمه للطبعة الحديثة من ألعاب الليل : بأن" داغرمان" هو معلم فن الغياب، و معلم الفوارق الدقيقة عند المفقود و عند الذي لا يستطيع التعبير .
القصة المرفقة من "مجموعة ألعاب الليل" و هو النص الذي يظهر فيه جلياً تأثره بكافكا.


المحاكمة

قصة: ستيغ داغرمان
ترجمة: فرمز حسين

من الأفضل أن أوضح لك منذ البداية، قال القاضي و هو يخرج" لعبة المقصلة "من جيب صدريته، من الأفضل أن أوضح لك منذ البداية بأننا نعرف الحقيقة. و لذلك من الأفضل لك  أيضاً أولاً و أخيراً أن تعترف، و ألا تصعب الأمور على نفسك بمرافعات تعترض من خلالها، و أخبرنا بالضبط لماذا سرقت كسارة جليد الدولة؟
وضع القاضي المقصلة على الطاولة بينه و بين "بيتروس. ج" و وضع تحت القاطع عود كبريت و تركه يسقط، و لكن النتيجة لم تكن كما أراد لها أن تكون . لذلك ضغط فجأة على زر من أزرار الطاولة، و عندها ارتفع  مصعد إلى الأعلى عبر طوابق البناء.
ماذا مرة أخرى؟ صرخ البواب و هو يدفع الباب بعنف لدرجة أن الغرفة كلها ارتجت.
هدىء من روعك قال الحاكم معقباً، من فضلك حافظ على المقاصل في وضع أحسن انظر انها لا تقطع حتى أرفع نوع من أعواد الثقاب التركي. إنها فضيحة أقول إنها فضيحة ياسيد.
البواب أسرع ودون أن يشعر بحرج من وجود " بيتروس .ج " بدأ يشحذ المقصلة بمبرد . كان من الصعب إسماع الآخرين في تلك الجلبة و لذلك انحنى "بيتروس. ج" على القاضي و صاح في أذنه:
سيدي القاضي  أنا يجب أن أعترض: أولاً : إنها ليست قضية سرقة، و لكنها عبارة عن مسألة استعارة مؤقتة بغرض عبور مجرى مائي كبير، و ثانياً : فإنها ليست كسارة جليد الدولة بل إنه مجرد قارب تجديف لا أهمية له، و ربما هو من أقل قوارب التجديف قيمة. و على فكرة كيف لرجل وحيد مثلي ليس له  حول و لا قوة  أن يستولي على كاسحة جليد الدولة كلها.
الشاهد همس للقاضي: لا تنس الشاهد ياسيدي!
فجأة توقف البواب عن الشحذ ، القاضي أمسك بيد الرجل، و وضع اصبعه الخنصر تحت المقصلة ثم هوى بها و تم فصلها بسهولة، و سقط الإصبع في صندوق صغير كان على الطاولة. القاضي أمسك باصبع الخنصر و رماه بسرعة، و لكن بعناية ظهرت واضحة من استقامة الملاءة التي كانت على كتفيه، حين رمى العلبة في سلة المهملات:
عال ، قال  القاضي موجهاً كلامه للبواب معك إجازة مرضية بما تبقى من النهار.
"بيتروس. ج" الذي كان يتابع الطقوسية باهتمام مفزع بدا و كأنه لايزال غير فاقد للأمل من الوضع. حتى أنه حاول الابتسام حين نظف القاضي المقصلة بمحرمة ورقية.
الشاهد ربما أخطأ في الرؤية  قال أخيراً. أنا متأكد بأنها رؤية خاطفة للشاهد لدرجة أنه لا يستطيع التمييز بين قارب التجديف و كاسحة الجليد.
الاعتراض غير مقبول، قال القاضي دون أن يتوقف عما كان يقوم به: تفادياً لعدم الخلط فإننا نعتمد الآن فقط على الشهود العميان. لقد تبين لنا في مراحل متقدمة بأن القضايا تتعقد أكثر مع الشهود الذي يتمتعون بالرؤية لأن المتهَمين يحتجون دائماً بأن الشاهد قد يكون مخطئأً في رؤيته، و إلى ما هنالك من أعذار مع نظام المحكمة الحالي الغير مجدي نفعاً.
و لا نبالغ إذا قلنا بأن الحقيقة هي التي  سادت بعد تطبيق نظام الشهود العميان، فحتى الآن  لم يعد أحد ينكر ارتكابه لجريمته، بل الجميع يجثون على ركبهم أمام القانون و يعترفون بكل شيء.
عندها صاح" بيتروس. ج ". و هو ينزل جاثياً على ركبتيه أمام القاضي:
 عيون العدالة ترى كل شيء، العدالة فوق الجميع، أنا أقر و أعترف بكل شيء.
لقد كنت في صحبة الفلاسفة طوال الليل، و مع حلول الفجر قدمت بمفردي إلى مرسى القوارب في المدخل العام، ووقفت هناك  لكي اتأمل الماء. و غريب أنه في تلك اللحظة توارد إلى ذهني  مَثل الفيلسوف القائل (كل شيء يطفو على السطح) و فعلاً رأيت كل شي قد طفا،  القوارب الصغيرة و القوارب الضخمة ، الجزر ببيوتها و أشجارها، الطيور البيضاء و العوامات الحمراء. لماذا لا تطفو أنت  أيضاً "بيتروس. ج" سألت نفسي و شعرت بأنني يجب أن أتحرك . أستعير قارب تجديف، وأستقله
 فكرت بداية الأمر
 وعندها خطر لي كل ما يمكن أن يحدث لقارب تجذيف، العواصف قد تأتي على حين غرة و تحطم القارب الهش، الشتاء قد يأتي فجأة و يشكل موانع  من المياه المتجمدة، و يُجبر المرء على البقاء بين  حيوانات البحر منتظراً قدوم الربيع بينما الأولاد و أمهم يتضرعون جوعاً . لا  قلت في نفسي إنه لأكثر أماناً  و أكثر أخلاقية أن آخذ كاسحة جليد الدولة، و هكذا شربت شيئاً ما من أحد البراميل التي كانت هناك على المرسى، و سحبت كاسحة الجليد من اليابسة بوساطة رافعة قوارب. فكرت أن أسير بها لكنني لم أجد مجاديف طويلة. عندها دخلت إلى غرفة المحرك و أشغلته بقوة، و بعد ذلك توليت قيادته و بسرعة أقلعت به إلى الأمام باتجاه "تيغل فيكن"خليج القرميد "مع بداية شروق الشمس، و طوال الوقت كان ينتابني شعور رائع بأنني أطفو حسب نظام فلسفي متكامل. بسرعة فائقة وصلت إلى المرسى،  و قفزت إلى اليابسة لكي أربط كاسحة الجليد في نفس اللحظة  التي وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام فوج المدرعات. لاتتحرك من البقعة التي أنت فيها، صاح أحدهم و هو يرفع الغطاء عن أحد المدافع:
لاتتحرك اذا أردت تجنب إصابة من سلاح الدفاع الجوي في قدميك!  و البقية أنتم تعرفونها سيدي القاضي. و الآن احكمني ، عاقبني ، اعطني الجزاء الذي أستحقه.
لأجل كاسحة جليد الدولة قال القاضي باهتمام و هو يفرغ علبة الكبريت التركي من العيدان أمام المقصلة، لأجل كاسحة جليد هناك عقوبة واحدة يمكن الحكم بها، و لكن قبل ذلك أريد أن أطرح عليك  سؤالاً: ماذا تظن إذا جميع السكان في هذه المدينة فجأة خطر لهم فكرة ان يستولوا على مملتكات غيرهم بنفس الطريقة السهلة التي أنت فعلتها؟
سيدي القاضي أجاب" بيتروس. ج " بما تبقى لديه من اعتزاز بالنفس: إن الظرف الوحيد الذي يخفف على الجنس البشري هو تحديداً أن دوافع الإجرام لا تحدث للجميع في الوقت نفسه بل تحدث خلال فترات زمنية متباعدة وبذلك فإن  إمكانية القيام بعمل إجرامي مقتصرٌ على أعداد محدودة فقط من الناس.
عندها ضرب القاضي على الطاولة بقبضته لدرجة أن المقصلة سقطت.
سوف أخرجك من عنادك قال صائحاً  أدخلوا الكلب الذي يستقصي الحقيقة.
الباب انفتح جزئياً و أُدخل كلب ألماني بني صغير بأُذنين متدلتين ، فجأة وجد" بيتروس. ج" نفسه ماسكاً زمام الكلب بشدة  فيما الكلب يجره خلفه من خلال بناء المحكمة. نزلوا أدراجا لا تحصى،  و شعر بالحرارة تزداد أكثر فأكثر." بيتروس .ج "تعرّق و بدأ بخلع ثيابه قطعة بعد الأخرى و يرمي بهم على عتبات الدرج، عارياً مع الكلب و جد نفسه أمام باب دوار  فدخل من خلاله برفقة الكلب ومنه  إلى قاعة ضخمة برسوم كبيرة من الموزاييك على الأرض. شرطي يرتدي ملابس السباحة فقط، و يمارس لعبة القفز على مربعات من الموزاييك مستخدماً شارة الشرطة. كانت الحرارة فظيعة و على طاولة مكتب في آخر القاعة يجلس شرطي آخر بلباس السباحة أيضاً، و بشعار ذهبي فقط مثبت على صدره بإبرة، الرجل كان يضغط دون انقطاع على أزرار حمر اء وخضر اء و بنفسجية.
ماذا تعني لك  تلك الألوان سأل "بيتروس. ج"  الكلب متلعثماً.
أوه.. انها لا تعني شيئاً أجاب الكلب لاهثاً فقط من لديهم عمى الألوان يتم تعينهم في تلك الأماكن.
الرجال الآخرون بملابس الرياضة كانوا ينفذون تماريناً رياضية ، يضعون فيما بينهم خيوطاً مطاطية و يطورون مهاراتهم بالحركات الرياضية . فجأة  لاحظ "بيتروس .ج" صفاً طويلاً من نوافذ الأفران  مثبتة على الجدران حيث لابد أن الحرارة كانت تخرج من خلالها. أخذ معه الكلب و فتح إحدى النوافذ و دون تفكير، مصعوقاً  ارتد إلى الخلف وأراد الهروب لكن الوقت كان قد فاته فالرجال الذين يرتدون ملابس السباحة شكلوا طوقاً مانعاً من حوله، و أجبروه على الاستمرار في النظر إلى جهنم . في الداخل  كان هناك رجل مسكين مربوطاً بعمود، فيما ألسنة لهب نيران حمراء فظيعة بين الفترة و الأخرى تدور حول جسده مثل نبتة متعرشة.جهنم بقطرة ماء قال هامساً و الجنة بقطرتين.
ماذا فعلتم صاح به " بيتروس. ج "من خلال الفتحة، أية جرائم شنيعة ارتكبتوموها لكي تنالوا هذا العقاب ؟
بالنسبة لي لا يستطيع أحد إنقاذي قال أحد المحكومين أنا استخدمدت مرحاض القطار حين كان واقفاً في إحدى المحطات.
استمرا في السير "بيتروس. ج" و الكلب الذي يستقصي الحقائق،  شاهدا من خلال فتحات أفران كثيرة أعداداً من المحكومين الذين كانت تدور من حولهم  ألسنة نيران حمراء أو خضراء أو بنفسجية.
 لا منقذ لي لأنني هوموسيان* و لقد كتبت مرة عن رأي بالهوموسيان.
و لا منقذ لي قال آخر و هو يئن:
 لقد أخطأت في اللقب فأسميت كونتاً بالبارون خلال عشاء الأبرشية.
و لا شي ينقذني همس آخر انا اختلط على الأمر فلم أميّز بين "شوبين و موزارت "خلال اجتماع لجميعة حديثة التكوين.
و لا إنقاذ لي هدر رابع
 أنا في إحدى الليالي قمت باستعارة قارب تجديف لم يكن أحد آخر بحاجة إليه، وأمام تلك الفتحة توقف "بيتروس. ج" مندهشاً و هو يتأمل اللهيب الأخضر بينما الكلب يداعب قدميه.
لكل زائر يأتي إلى هنا فجوة يتوقف عند مدخلها متشبثاً و مندهشاً لاكتشافه بأنه ليس وحده هنا كما كان يعتقد من قبل، بل هناك أحد ما في الداخل  لدرجة أن أحياناً يجب جرّه من هناك بالقوة فأنه غالباً يريد الزحف من الفتحة إلى الداخل على الرغم من أنه لا يزال حياً.
بعنف طفيف جره الكلب من تلك الفتحة الى الفتحة التالية. كانت خالية و لكن بوثبة فجائية قفز الكلب إلى داخلها:
من المفروض أن أكون مستقصياً للحقائق قال الكلب و هو يلهث بشدة ..كنت أريد البحث عن الحقيقة .. لكنني ..لكنني  استعملت أحد الأعمدة التي على اليمين بدل اليسار في الحديقة العامة .
و لكي يتجنب "بيتروس. ج "مشاهدة تلك المعاناة أيضاً ترك غطاء الفتحة و انطلق خارجاً إلى البرودة،  حاملاً لباسه على ذراعيه، و دخل غرفة القاضي.
انظر يا شاب
 صاح القاضي به مشجعاً و هو يضرب على كتفيه :
 ها أنت فيها الآن . مارأيك بحكم إعدام صغير؟
إعدام ، قال "بيتروس .ج "كنت أظن ...
نحن لا نعدم البشر قال القاضي، لأسباب إنسانية لانعدم البشر ، فقط أعواد الكبريت انظر بنفسك .
و حين نظر "بيتروس .ج" . إلى الجزء السفلي من جسمه لاحظ كيف قدماه نمتا و اتحدتا مع بعضهما البعض، ثم  تحولتا إلى شجرة بيضاء رفيعة. و بينما الكبريت بدأ بالنمو في رأسه و قبل أن ينحدر  نزولاً إلى حنجرته صاح :
سيدي القاضي افعل بي ما تشاء !  اقطع رقبتي  احكم علي بالعذاب في النار الأحمر ، الأخضر ، البنفسجي، حولني إلى كلب . ولكن ارحمني من شيء واحد فقط ! لا تحولني إلى قاض! حولني إلى أي شيء كان لكن لاتجعلني قاضياً. 





ستيغ داغرمان
1923-1954

حاشية
*هوموسيان : نسبة إلى أسقف بالاسم نفسه و هم من يرون بأن ابن الإله هو نفسه الإله.
المترجم

فرمز حسين
كاتب و مترجم سوري
ستوكهولم
2019-08-10
نشرت ترجمة القصة  بموافقة من مالكي حقوق مؤلفات ستيغ داغرمان ، ستوكهولم، السويد.
(published with the approval from the Stig Dagerman Estate).





الأحد، 21 يوليو 2019

مواجهة الرعب و الذنب في أدب ستيغ داغرمان



مواجهة الرعب و الذنب في أدب
ستيغ داغرمان 1923-1954
سنوات الكتابة عند" داغرمان" لم تتعد الخمسة أعوام، لكنها كانت غزيرة الإنتاج لدرجة أنها كانت كافية لجعله من ألمع كتاب الأربعينيات، مشكلاً من خلالها علامة فارقة في الواقعية و الحداثة في الأدب السويدي. باكورة أعماله كانت مع رواية الأفعى 1945
 ، و نال داغرمان عبرها جائزة الأدب من صحيفة  سفنسكاداغبلات. و يصف داغرمان بنفسه أول عمل أدبي له هكذا:
الكاتب يجري بحثاً حول كيف أن  الرعب يؤثر على مجموعة من البشر في عنفهم، و كيف يتصرفون تحت ذلك الضغط، كل منهم حسب ظروفه. الفكرة التي يريد إثباتها في المقام الأول هي الاعتراف بالقلق البدائي، ذلك غير مسموح إنكاره. الحياة مع القلق هي الوسيلة الوحيدة التي تمنح المرء - في أقل تقدير- فرصة صغيرة لاختبار نفسه" انتهى الاقتباس"
 الرواية في جزأين، الأول منهما يدور حول إيرين و بيل.  إيرين تعاني من الشعور بالذنب، و تأنيب الضمير لأنها كانت قد دفعت بوالدتها من القطار، و ربما قتلتها. بيل الذي يتجول حاملاً معه أفعى، كان بدوره حاضراً في حفلة انتقم خلالها من فتاة، عبر رميها في بئر. أما الجزء الثاني من الرواية فتدور أحداثه في  أحد المخيمات العسكرية، إذ يطلق الأفعى  من دون أن يعلم أحد شيئاً عن مكانها، و بذلك يهجر النوم عيون الجنود نتيجة الذعر و القلق، لكنهم جميعهم يحاولون إخفاء رعبهم .
بعدها بعام تصدر له رواية جزيرة المحكومين 1946.قصة رعب يمر به سبعة أشخاص يصلون إلى جزيرة غير مأهولة، بعد أن تتحطم سفينتهم،  و هناك يضطرون لمواجهة بعضهم البعض بذنوبهم وخوفهم و قلقهم. مثلها مثل رواية الأفعى ثمة مواجهة مع عالم الذعر و الذنب، بعيداً عن الهرب من كل هذه التحديات، فالحرية في معرفة مكنونات النفس، و الاعتراف الذي لابد منه، بغض النظر عن الخسائر الروحية و الشخصية.
ثم  أصدر بعدها المجموعة القصصية ألعاب الليل 1947
التي تظهر السجل الأدبي المتنوع و الغني لداغرمان،  عبر سرد قضايا حياتية و اقعية و يومية، من خلال قصص رمزية عميقة، وبتأثر جليّ من فرانز كافكا وألبير كامو وبير لاغركفيست عبر تصويره لعالم سوداوي قاس يفتقر إلى التعاطف و المواساة بين البشر. في العام نفسه أصدر داغرمان كتاب: خريف ألماني 1947
 وهو يحتوي على مجموعة من التقارير الصحفية التي كتبها لصحيفة اكسبريسن، خلال سفره عبر الأراضي الألمانية التي طحنتها الحرب العالمية الثانية. داغرمان كان يسلط الضوء على  معاناة الشعب الألماني من ويلات الحرب و مآسيه من خلال تفاعل و تعاطف كانا مفتقدين في تلك الأيام.
رواية طفل محترق 1948
وتشكل الرواية أيضاً دراسة  بحثية في عمقها حول الذنب. الشاب بينكت شديد الحزن على فقدانه لوالدته، و معها يتحول الحزن بعدها إلى كراهية على والده الذي يجد لنفسه خليلة جديدة، و لا يبقى وفياً لذكرى والدته. لكنه نفسه يبدأ فيما بعد علاقة جنسية مع امرأة أبيه متناقضاً مع نفسه في مطالبة الأب بوفاء و نقاء  هو نفسه لم يستطع  الالتزام بهما. داغرمان كتب أيضاً  قصائد شعرية  و أعمال مسرحية منها مسرحية المحكوم بالإعدام 1947
آخر رواية لداغرمان متاعب عرس 1949
تجري أحداث الرواية كلها في يوم واحد، و في مزرعة صغيرة، في الريف، هو يوم الزفاف. حيث تصبح هيلدور ابنة أحد المزارعين عروساً للجزار فيستلوند الذي يكبرها بأعوام كثيرة،  و هكذا تبدأ الأحداث الدرامية للرواية: شخص غريب يطرق نافذة العروس و تأتيها رسالة من مجهول، و في الوقت نفسه يصل متسكع مريض غير مدعو إلى هناك، ثم تطفو الأسرار على السطح. الرواية تركز على سرد كل الأحداث و التفاصيل التي تجري في ليلة العرس.
جدير بالذكر أن أعمال داغرمان قد ترجمت إلى عشرات اللغات، و معظمها تحولت أيضاً إلى أفلام سينمائية.
ثلاثة قصائد شهيرة  ل- ستيغ داغرمان:

خريف
ما أسرع أن يصفرّ الاسفندان
الذي يضيء سيرنا في الحديقة
أن تموت هي سفرة صغيرة
من الغصن إلى اليابسة
كم رفيع شريط الشفق اللامع
الذي يعلن بوضوح قدوم النهار
صوت الترام يأتي في الضباب
و الهواء يغدو ثقيلاً على الاستنشاق
ما أسرع أن يصبح لون الخدين أبيض
قبلها بشفاه من ماء
انظر إلى طيور النورس ترسم بالحُوار
قصيدة في سماء الليل الحالك
كم تبقى أشجار الحور عالية
عارية بأخاديد سوداء
أن تموت هو ببساطة مثل تساقط
وريقة شجر في خضم نهر.

الأرض لا تستطيع إعادة خلقه
هدئ من روحك الهائج
فقط شيء وحيد تستطيع فعله
الخير لإنسان آخر
إنه حقاً كثير
أن تبتسم النجوم بنفسها
أن ينقص إنسان من بين الجياع
يعني زيادة أخ آخر

الهرب اختارنا
الطير يختار الهرب. نحن لم نختر ذلك
الهرب اختارنا. لذلك نحن هنا
أنتم من لم يختاروا بعد و لازلتم أحراراً
أعينونا على الهروب الثقيل الذي نحمل!
القيد اختار القدم. نحن اخترنا السير
الليل كان رحيماً .نحن الآن هنا
أنتم كثيرون جداً ربما يقول الحر الآمن
هل يمكن أن نصبح كثيرين جداً يعرفون معنى الحرية؟
لا أحد يختار الحاجة. نحن لم نختر ذلك.
الحاجة اختارتنا في طريقها. نحن الآن هنا.
أنتم من لم يختاروا بعد! نحن نعرف وزن الحرية.
أعينونا على حمل الحرية التي نحمل!
شعر : ستيغ داغرمان
ترجمة : فرمز حسين
ستوكهولم
2019-07-16










الأربعاء، 17 يوليو 2019

الطحال يلمار سودربيرغ


الطحال
يلمار سودر بيرغ
ترجمة: فرمز حسين

حياتي  بلون حلم غامض  مربك نادر الوجود. المصابيح الأولية منها قد بدأت عملياً بالتوهج , منذ أن تركت سكني ليلة أمس بعد أن قضيت فيه النهار كله  و أنا أفكر بلغز الحياة. و أصبت بالإحباط لأنني لم اجد تفسيراً له . قلت مناجياً نفسي: أنت أحمق و تهدر أيامك بالتفكير بما هو عقيم و أنت تعرف حق المعرفة بأنك حتى إذا عرفت ماهية اللغز فتلك المعرفة لن تجعلك أكثر سعادة .عوضاً عن ذلك أصرف جهدي في لعبة شطرنج في أربع حركات. و لكن تبين لي أن  قوة حدسي لم تكن كافية حتى لذلك أيضاً. و رميت برقعة الشطرنج من النافذة لتسقط على رأس رجل عجوز بقدمين خشبيتين حيث جاءه الموت كعمل وحيد جيد له و من بعدها ألقيت بنفسي بين حشود العالم و أنا محتقراً روحي.  
طقس الليل كان دافئاً ، صحواً و كان في سكون رائع. من فوق القصر ظهر القمر بدراً كاملاً مثل كاهن عجوز, أصفر مائل للاحمرار و كبير بشكل بديع .أصوات البشر كانت ترتفع باتجاه الشارع مثل دوران ألف ساعة و ذكرتني بالتفكيرفي الوقت و الثواني التي تتسرب من بين يدي. سمعت صوت حافلة الترام وهي تتوقف بالقرب مني فوثبتت إليها , بقيت جالساً فيها لدورات عديدة  و هي تسير في حلقة دائرية. هذه التسليه كانت لها قدرة نادرة  على تبديد الوقت في وضعي الصعب.تخيل لي بأن العالم كله  يدور من حولي كأرجوحة. و عندما كنت طفلاً وكنت أركب الأراجيح لم أكن أتمالك نفسي عن الضحك و هذا ما يحصل لي الآن ايضاً. كنت قد مكثت راكباً الترام  بالكاد ثلاث دورات فقط  في خط سفرها الدائري هذه قبل أن أبدأ الضحك بصوت عال جداً.
مساء الخير سمعت صوتاً قريباً مني ثم أدار بوجهه باتجاهي من المقعد الذي أمامي. وجه شاحب و طويل  بذلت قصارى جهدي لأتذكره دون جدوى. أعرفك من ضحتك  تابع قائلاً  انت تضحك بنفس الطريقة التي كنت تضحكها في جنازة عمتي منذ سبع سنوات.حينها كان الكاهن يواسينا بالمواعظ للتخفيف من حزني و أحزان بقية الورثة. أنت أضحكتنا جميعاً, الكاهن أيضاً, و لربما حتى عمتي المتوفاة نفسها أنت لك روح مرحة.
أجبت بلطف نعم أنا روحي مرحة جداً . و أنت سيدي العزيز؟
أخ ..دعك من الحديث عني ، أنا شخص متأتئ لانفع فيه، لقد أصبحت كذلك منذ أن توفيت عمتي .
نعم أعرف ذلك , قلت و أنا شارد الذهن.
تعرف ذلك؟ سأل محدقاً بعينين كبيرتين جاحظتين حزينتين. من قال لك ذلك؟
عرفتها من تلقاء نفسي , قبل أن تموت عمتك كنت سعيداً و بهيجاً و مفعماً بالأمل  في انتظار أن تموت فترثها و الآن أنت ورثتها و الآن ليست لديك عمات أخريات كي ترثهن أي بمعنى آخر لم يعد هناك  من أمل آخر لك و لذلك أنت حزين هكذا بكل بساطة.
الرجل المسكين لم يحدق هذه المرة بعينيه فقط بل حتى بفمه و بدى كل شخصه ثلاث نوافذ ضخمة.
معك حق أجاب أخيراً , أنت قلت كلمات كنت أفكر بها منذ زمن طويل. شكراً , شكراً من القلب.
ضرب على يدي بحركة من يديه تأكيداً على إحساسه بالعرفان و تابع : أنت أزحت صخرة من على صدري ليس هناك شيئاً أصعب من أن  تكون حزيناً دون معرفة السبب . لكن الآن انتهى الأمر و أنت قدمت لي خدمة كبرى دعنا نخرج معاً و نشرب نخب ذلك.
هذا الاقتراح الأخير أعجبني من نواحي عديدة . صحيح أنني لم استطع أن أتذكر اسم الرجل , لكنني منذ زمن بعيد قررت عدم الاهتمام بصغائر الأمور و ما أهمية تذكر اسم ما من عدمه؟
قفزنا من الترام إلى الخارج ثم صعدنا عربة أجرة و انطلقت بسرعة جنونية إلى استراحة صغيرة  بعيداً  خارج المدينة. في هذا العش الشاعري أمضينا وقتنا نأكل السمك المملح , الفجل و بطاطة طازجة و كذلك براندي نرويجي مع ثلاثة أنواع من الشمبانيا, بعدها قفزنا من النافذة و معنا زجاجة ويسكي و بعض المياه غازية و عندما انحدرنا وجدنا أنفسنا تحت سقف معدني و اطلالة رائعة على البحيرة الشاعرية المحيطة بأكاليل من الزهور و السهام ، شرب كل منّا جرعة ثم تابعنا حديثنا.
قلت الغنى للانسان مصدر الكثير من المتاعب .مرة  كان عندي صديق و كان يرتجف دوماً من البرد. لعب يانصيب هامبورغر على أمل أن يربح مبلغاً كبيراً يمكنه من شراء معطف من الفرو . وربح ثلاثمائة ألف كرونة . و رِبْحُ مبلغ كبير بهذا الحجم لا يمكن اخفاء أمره على الناس و لذلك علم به أصحابه جميعاً  و اضطر ان يقرض القسم الاكبر من المبلغ في وقت قصير جداً و بالكاد بقي  لديه مبلغاً يكفي لشراء فراء تقليد من فرو القندس ، و لكنه لم يفعل , و كيف يستطيع فعل ذلك ، لقد علم الناس جميعاً بأنه قد ربح النقود من اليانصيب و كيف له أن يتجول لابساً معطفا ربح ثمنها من اليانصيب. لا.. لا يمكن ذلك اطلاقاً. بكل تاكيد ..نعم..نعم.
جلسنا صامتين لحظة  كل مشغول مع أفكاره . و فجأة نهض السيد كيلبيرغ  ( كان مع شرب الكأس الخامس من النوع الثالث للشامبانيا قد صارحني باسمه). و بنظرة فرح خاطفة في عينيه سألني :
ماحجم أكبر جائزة في يانصيب الهامبورغر؟
أظن بأنها خمسمائة أو سبعمائة ألف. أجبته. على الأقل هي ليست ستمائة ألف بكل تأكيد لأن المشرفون على عالم ألعاب اليانصيب يعرفون حق المعرفة بأن للأرقام الفردية سيطرة قوية على خيال الإنسان مقارنة مع الارقام الزوجية.
أي على الأقل خمسمائة ألف ردد كيلبيرغ . لقد كان مبلغ مائتي ألف هو كل ماورثته عن عمتي . و إذا لعبت بيانصيب هامبورغر أستطيع أن أقول بأن هناك أمل بأن أجعل ثروتي تزداد أكثر من الضعف, أي يكون عندي أمل بمثابة أن أرث عمة و نصف العمة و بهذا سوف يكون عندي ما أعيش لأجله.
طبعاً بكل تأكيد المستقبل يبتسم لك من جديد.
نعم أستطيع أن أقول سوف يصبح لدي أمل . أريد أن ألعب بيانصيب هامبورغر.
لكن إذا ربحت ؟ عندها أكون قد خسرت كل شيء, و لا يتبقى لي سوى الموت!


يلمار سودربيرغ
فرمز حسين
ستوكهولم
2019-05-01